ابن بسام
500
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
[ فصل ] في ذكر الأديب أبي بكر محمد بن عيسى الداني وسياقة جملة من متخير شعره [ 1 ] كان أبو بكر شاعرا يتصرّف ، وقادرا لا يتكلّف ، مرصوص المباني ، ممتزج [ 2 ] الألفاظ والمعاني ، وكان من امتداد الباع ، والانفراد بالانطباع ، كسيف الصّيقل الفرد ، توحّد بالإبداع وانفرد ، لو كانت له مادة [ 3 ] تفي / ببيانه ، لكان أشعر أهل زمانه ، وكانت أمّه امرأة برزة فارسة دكّان ، وصاحبة مكيال وميزان ، وعلى ذلك فقد كانت امرأة صدق ، وفي حرفتها - على ما بلغني - صاحبة حقّ ، مشتغلة ببيع لبنها ، مقبلة على ما يعنيها من حال زمنها ، حتى غلب اسم اللبن عليها ، ونسب أولادها به إليها ، وكانت لأبي بكر وأخيه [ عبد العزيز ] همة تعرّضهما للصدور ، وتترامى بهما إلى معالي الأمور ، إلّا أن أبا بكر كان أوسعهما في الأدب مجالا ، وأكثرهما على صنعة الشعر إقبالا ، ومال عبد العزيز إلى التجارة فحسنت طريقته ، وحمدت خليقته ، وكان له مع ذلك أدب دلّ على نبله ، وشعر يستحسن من مثله ؛ إلّا أنه لم يرضه مكسبا ، ولا اتخذه إلى أحد من الملوك سببا ، فذهب عن أكثر الناس ذكره ، ومات قبل موته شعره . وأما أبو بكر فتردّد على ملوك الطوائف بجزيرة الأندلس [ 4 ] تردّد القمر في المنازل ، وحلّ من ملوكها محلّ الحلي من صدور العقائل ، يسحب على دولهم ، ويقلّب الطرف بين خيلهم وخولهم ، وخيّم أخيرا [ 5 ] في ذرى المعتمد بن عبّاد إذ كان أصدقهم [ نوءا ، وأبهرهم في مطالع السّؤدد ضوءا « فلما نبت صعاده ، أعوزه من دهره إسعاده ، وصار إلى
--> [ 1 ] ترجمته في : بغية الملتمس رقم : 213 ، والقلائد 2 : 245 - 252 ، والمغرب 2 : 409 - 416 ، والمعجب : 208 - 224 ، والتكملة : 410 ، والخريدة 2 : 107 - 147 ( ط . تونس ) والمطرب : 178 ، والوافي بالوفيات 4 : 297 ، والفوات 4 : 27 ( ط . بيروت ) ، والزركشي : 305 ، وعيون التواريخ : 12 : 34 - 41 ( وفيه نقل عن الذخيرة ) ، والمسالك 11 : 270 ، وصفحات متفرقة من نفح الطيب و Hist . Abbadid جمع دوزي ، وله موشحات في دار الطراز وجيش التوشيح : 59 - 72 ؛ وقد ذكر ابن الأبار في التكملة أنه توفي بميورقة سنة 507 ه ودفن إلى جانب أبي العرب الصقلي ، وعدّ من مؤلفاته : مناقل الفتنة وكتاب نظم السلوك في وعظ الملوك وكتاب سقيط الدرر ولقيط الزهر ، وقد جمع الدكتور محمد مجيد السعيد شعره ( الموصل : 1977 ) . [ 2 ] المغرب : منمق . [ 3 ] ط د س : مدة . [ 4 ] ط د س : الطوائف بأفقنا . [ 5 ] ط د س : آخرا .